سيد محمد طنطاوي

46

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( وأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) * بيان لما يجب عليهم أن يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه . و « أن » في قوله * ( أَنْ لا تَعْبُدُوا ) * وفي قوله * ( وأَنِ اعْبُدُونِي ) * مفسرة ، والجملة الثانية معطوفة على الأولى . أي : لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان ، وعهدت إليكم أن تعبدونى وحدي دون غيرى . والإشارة في قوله : * ( هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) * تعود إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - . أي : هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لي هو الطريق الواضح المستقيم ، الذي يوصلكم إلى عز الدنيا ، وسعادة الآخرة . وقوله - سبحانه - * ( ولَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) * استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان . ولتشديد التوبيخ لمن اتبع خطواته . « وجبلا كثيرا » بمعنى : خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل العظيم . ولفظ « جبلَّا » قرأه نافع وعاصم - بكسر الجيم والباء ، وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي * ( جِبِلًّا ) * بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وجميع القراءات بمعنى واحد . أي : ولقد أغوى الشيطان منكم يا بني آدم خلقا كثيرا ، فهل عقلتم ذلك ، واتعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم ، وأخلصتم لنا العبادة والطاعة ، واتخذتم الشيطان عدوا لكم كما صرح بعداوتكم . وبالعمل على إغوائكم . قال - تعالى - : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوه عَدُوًّا ، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَه لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ « 1 » . وقال - سبحانه - حكاية عنه . قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ « 2 » . وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان ، يقال لهم في النهاية : * ( هذِه جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) * . أي : هذه جهنم ماثلة أمام أعينكم أيها الكافرون ، وهي التي كنتم توعدون بها في الدنيا . وكنتم تقابلون ذلك بالسخرية والتكذيب .

--> ( 1 ) سورة فاطر آية 6 . ( 2 ) سورة ص الآيتان 82 ، 83 .